أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
754
العمدة في صناعة الشعر ونقده
ومسلم - وافق حكم أبى نواس في عمّيه : جرير ، والفرزدق ، فإنه سئل عنهما ، ففضل جريرا ، فقيل له : إن أبا عبيدة لا يوافقك على هذا ، فقال : ليس هذا من علم أبى / عبيدة ، وإنما « 1 » يعرفه من دفع إلى مضايق الشعر . - وقد خالف البحترىّ أبا نواس في الحكم بين جرير والفرزدق ، فقدم الفرزدق ، قيل له : كيف تقدمه وجرير أشبه « 2 » بك طبعا منه ؟ فقال : إنما يزعم هذا من لا علم له بالشعر ، جرير لا يعدو في هجائه الفرزدق ذكر « القين » « 3 » و « جعثن » ، و « قتل الزّبير » ، والفرزدق يرميه في كل قصيدة بآبدة . حكى ذلك غير واحد من المؤلفين « 4 » . فإذا كان هذا فقد حكم له بالتصرف ، وبهذا أقول أنا ، وإياه أعتقد فيهما . - وإذا لم يكن شعر الشاعر نمطا واحدا لم يملّه السامع ، حتى إن حبيبا ادعى ذلك لنفسه في القصيدة الواحدة ، فقال « 5 » : [ البسيط ] الجدّ والهزل في توشيع لحمتها * والنّبل والسّخف والأشجان والطّرب « 6 »
--> ( 1 ) في المطبوعتين فقط : « فإنما . . . » . ( 2 ) في المطبوعتين فقط : « . . . أشبه طبعا بك منه » . ( 3 ) القين : الحداد ، وكان أحد أجداد الفرزدق حدادا . أما « جعثن » فهي أخت الفرزدق ، وكانت امرأة مسلمة عفيفة ، اتهمها جرير اتهاما باطلا في شرفها ، ثم عاد يستغفر ربه مما قال لها ، وأما قتل الزبير فإنه يروى أن الزبير بن العوام حواري رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كان قد استجار بالنعر بن الزمام المجاشعي ، من رهط الفرزدق ، فقتل في جواره بعد رحيله بقليل ، فعير الفرزدق بسوء الجوار وإخفاره ، إذ لم يبلغه مأمنه ، كما يفعل أحرار الرجال . قال في شرح ديوانه : « يقال إن بين منزل النعر بن الزمام ، جار الزبير ، وبين وادى السباع حيث قتل الزبير ، سبعة أميال » يعنى أن الفرسخ ثلاثة أمثال . [ من طبقات ابن سلام هامش 1 / 400 و 414 ] ، وانظر الموشح 193 ( 4 ) انظر الصناعتين 24 ، والموشح 197 ، وأخبار البحتري 174 ، وينسب مثل هذا القول في الموشح 193 إلى أبى عبيدة . ( 5 ) ديوان أبى تمام 1 / 258 ، وانظر البيت وما قيل عنه في الموازنة 1 / 193 ، وكفاية الطالب 38 و 39 ( 6 ) التوشيع : التلوين والتنويع .